صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

54

تفسير القرآن الكريم

المطموسة تحت أشعة الأنوار القادسات والقاهرات ، الأسيرة كلها في قبضة الرحمن ، ولا نسبة لعالم الإمكان الذي هو مثار القصور والنقصان إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء . فقد لاح أن الوجود كله على أحسن ما يتصور من الحسن والنظام ، ولنا براهين نيّرة على هذا المطلب أوردناها في مواضع من كتبنا على وجه البسط والتحقيق ، من أراد الوقوف عليها فليطلب من هناك ، واللّه ولي التوفيق . وقيل : معنى « أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » علم كيف يخلقه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : قيمة كل امرئ ما يحسنه . « 1 » وحقيقته : يحسن معرفته ، أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان . وقرئ « خلقه » على البدل ، أي أحسن خلق كلشيء . و « خلقه » على الوصف ، أي كل شيء خلقه فقد أحسنه . قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 8 إلى 9 ] ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) لما وصف خلقه بالحسن ولا ريب في أن حسن النظام بترتب الغاية المطلوبة منه ، وغاية إيجاد العالم - كما بيّن - ذاته تعالى معروفا ومعلوما كما دل عليه الحديث القدسي من قوله تعالى : ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف ) وحامل معرفة اللّه من جملة الأكوان الحادثة هو الروح الإنسانية التي هي نور من أنوار اللّه الفائضة على اللطيفة القلبية ، وسره الواردة من أمر « كن » على عرش

--> ( 1 ) نهج البلاغة : الحكم ، رقم 81 .